Dubai, United Arab Emirates  | Booking@Chidiac.net  | +971.50.2800177

© 2019 by SAMER CHIDIAC. All Rights Reserved

عِش كلّ يوم كأنّه اليوم الأخير

January 14, 2017

  بين سنة 2005 و2006 حصلتْ معي حادثةٌ غيرَتْ مَجري حياتي، وغيرتْ طَريقتي ونَظرتي وأيضًا تَفكيري، وتَقييمي لبعضِ الأمورِ الحياتيّة بشكلٍ جذريٍّ.

 

استمع الى القصة وحمّلها  أو اقرأها

 

 

 

ماذا حصلَ معي؟

 

كنتُ في ذلك الوقت في أمريكا، وكنتُ مسافرًا من ولايةٍ إلى ولايةٍ أخرى...

 

كما تعلمونَ الأشخاصُ الذين يسافرونَ كثيرًا، يصلون لمرحلةٍ تُصبح السّفرات كلّها مُتشابهةً، نفسُ الأشخاصِ والوجوهِ والمشاهدِ. حتى من كثرةِ رؤيتِنا للمضيفين والمضيفات نحسّ أنهم يُشبهون بعضهم بعضًا.

 

كلّ هذه الأمورُ تتكررُ دائمًا في السفرِ مع فارقٍ بسيطٍ يحصلُ أحيانًا في بعضِ التّفاصيلِ.

 

لم أكن أتخيّلُ أن هذه السفرةُ ستُشكلُ فارقًا في حياتي، سواء في هذه الرّحلة أو مُستقبلًا، الأمرُ الوحيد الذي اختلفَ معي عند دخولي للطائرةِ أنني كنتُ مصابًا بالزُّكامِ.

 

 

  أقلعتِ الطائرةُ وبدأتِ في الصعودِ تدريجيًّا، بعدها بدأت أحسُ بضيقٍ شديدٍ، كُلما ارتفعت الطائرةُ ازدادَ الضيقُ شيئًا فشيئًا، مع ضغطٍ شديدٍ في رأسي.

 

  (نفسُ الأحساسِ الذي تشعرُ به وأنت تعومُ في أعماقِ البحرِ، تحسُّ بضيقٍ شديدٍ وضغطٍ في الرأسِ).

 

  دخلتُ إلى (حمام الطائرةِ) لكي أغسل وجهي، نظرتُ فوجدتُ دمًا ينزلُ منّي! نظرتُ إلى المرآةِ فرأيتُ دمًا ينزلُ من أنفي  ــ أمرٌ مزعجٌ فعلًا ــ.

 

  غسلتُ وجهي مرةً أخرى، ثم نظرت إلى المرآةِ فرأيتُ الأعجبَ! دمًا يخرجُ من أٌذُنَيَّ!

 

  ــ اِنصدَمتُ من هَولِ المنظَر ــ.

 

  وقفتُ مدهوشًا...ماذا يحصلُ لي؟

 

نظّفتُ وجهي من الدّماء وأنا في حالةِ الذهولِ والصّدمةِ، وبدأتُ أفكرُ...ما هذا الشّيء الذي يحصلُ معي؟

 

  أتُراهُ نزيفٌ داخليٌّ في رأسي؟

 

  إذًا هذا أمرٌ خطيرٌ لأنني في الطائرةِ الآن ــ ما بين السّماءِ والأرضِ ــ ومن المؤكّدِ أنني لا أستطيعُ النزولَ والذهابَ للطّبيب ومعالجة ما يحدثُ معي!

 

  وهذا يعني أمرٌ وحيدٌ أن هذه الرحلةُ ستكون الرحلَةُ الأخيرةُ في حياتي!

 

  عُدتُ إلى مِقعَدي ــ وأنا في حالةِ إحباطٍ شديدٍ ــ جلستُ وأسندتُ رأسي لشبّاك الطائرةِ، وبدأتُ أفكرُ...

عادةً الشخصُ الذي يحسُ بقربِ أجلِهِ تمرُّ في ذاكرته مُعظم مراحلِ حياتِهِ التي عاشَها، ــ وهذا ما حصلَ معي ــ، مرّتْ على خاطري كل مراحل حياتي كأنها شريطُ فيديو أراهُ أمامي...

 

بقيَ من الرحلةِ نصفُ ساعةٍ أو أقل، لكن صدّقوني هذه الدّقائقُ القليلةُ كانت من أطولِ الدّقائقِ التي مرّتْ في كلّي حياتي...

في هذا الوقتِ لم أكن أفكرُ بالأفلامِ التي شاهدتُها ولا الأغاني التي سمعتُها، ويُخالجُني شعورٌ بالنّدم على عدمِ مُشاهدتي وسماعي لأكبر كميّة من الأفلام والأغاني! حتّى ولم أفكّرُ في عملي وشُغلي في المكتب، ويأتيني إحساسٌ ـ يا يلتني اشتغلتُ وبقيتُ وبذلتُ مجهودًا أكثر وأكثر ـ.

 

 

 

لا...كل هذه الأمورُ لم تخطرْ على بالي..

 

فقطْ كنتُ أفكرُ في أمرٍ واحدٍ، ألا وهو الأشخاصُ المهمّين في حياتي، والمقرَّبين لي ــ أهلي، أصدقائي ــ، وخاصةً أهلي.

 

  اللقاءُ الأخيرُ الذي جمعني بهمْ كيف كان؟ كيف تركتُهم؟

 

  ما هي آخرُ كلمةٍ قلتُها لوالدي؟ أو لوالدتي؟

 

  هل قضيتُ وقتًا كافيًا مع إخوتي؟

 

  تذكرتُ أصحابي فردًا فردًا، مرّوا بذاكرتي...

 

  هل كنتُ الشخصَ المناسبَ بوقوفي لجانبِهم في مشاكلِهِم ومتاعبهِم؟

 

  هل كنتُ الصديقَ المخلِص لهم، استطاعوا أن يتّكلوا عليَّ في أمورهِم؟

 

  في مرحلةٍ ما كنتُ مديرًا ولديّ موظفين كُثُر، تذكرتُ أنني كنتُ أُبغِضُ بعض الموظفينَ لدرجة أني تمنيتُ قتلَهُم.

 

  تذكّرت...كيف كانت مُعامَلتي معهم؟ هل كنتُ قاسيًا أم ليِّنًا؟

 

ــ شعورٌ مخيفٌ وظالمٌ ــ أن تتذكرَ أمورًا مرتْ في حياتكَ ولا تستطيعَ أن تفعلَ شيئًا وتُصلّح ما فات...

 

الفكرةُ التي كانت تقتُلني تدريجيًا أنّني لن أستطيعَ أن أجتمعَ بكلّ هؤلاء الذين مرّوا على ذاكرتي وأخبرُهم كم كنتُ محظوظًا بوجودِهِم في حَياتي.

 

  كلّ لحظةٍ قضيتُها معهم، فوجودهم والاهتمامُ المُتبادلُ بيننا كانت تُعطي لحياتي معنًى قيمًا...

 

  في هذا الوقتِ بدأتُ أشعرُ بتعبٍ شديدٍ ووجعٍ في رأسي، لم أعدْ أرى ولا أسمعَ جيدًا، وحالتي مُتدهورة ويُرْثى لها...

 

  في تلك اللحظةِ شعرتُ بعاطفةٍ وحنانٍ ومحبةٍ هؤلاء الذين مروا على ذاكرتي تمدُّ لي يدَها وتُنقذني مما أنا فيه ــ أعطتني قوةً وشجاعةً لأتخطّى شعورَ اليأسِ والإحباطِ ــ.

 

  فتحت عينَيّ وقلتُ في نَفسي: سأصل إلى المكانِ المطلوبِ...

 

  ومن يومِها تغيرّت حياتي...

 

  أصبحتُ أعيشُ كلّ يومٍ بيومهِ، الأشخاصُ المحيطينَ بي، في كلّ يومٍ أراهُم أعاملُهم بكلّ محبةٍ وإخلاصٍ وبغير ندمٍ كأني لن أراهُم مرةً ثانية.

 

  أهلي، كلّ مرةٍ أراهم أودّعُهم بقُبلةٍ في اليدِ وبحُضنٍ شديدٍ مع كلامٍ جميلٍ ولطيف.

 

  لأنني أعيشُ على فكرة أنها آخر مرةٍ أراهُم فيها...

 

ماذا تعلّمتُ من هذه التجربةِ؟

  تعلّمتُ من هذه التجربةِ أنّك لن تستطيعَ أن تصلَ إلى أهدافكَ العليا إلا بمحَبةِ الأشخاصِ المحيطينَ بك، وتقديركَ للأشخاصِ المهمّين في حياتكَ وتقديرهمْ لك.

 

 ولو أردتمْ أخذَ العِبرةَ من تجرُبتي...

 

اِحلموا كأنّكمْ تَعيشون للأبد، وعيشوا كلَّ يومٍ بيومِه...

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Featured Posts

The Journey of Creating Hope - رحلة صناعة الأمل

March 28, 2017

1/5
Please reload

Recent Posts

January 19, 2017

Please reload

Archive
Please reload

Search By Tags